الشنقيطي

25

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

واعلم أن المبهم أعم من المجمل عموما مطلقا ، فكل مجمل مبهم ، وليس كل مبهم مجملا ، فمثل قولك لعبدك : تصدّق بهذا الدرهم على رجل ، فيه إبهام وليس مجملا ؛ لأن معناه لا إشكال فيه ، لأن كل رجل تصدّق عليه به حصل به المقصود ، والدليل على أن المجمل هو ما ذكرنا أن اللفظ لا يخلو من أحد أمرين : إما أن يدل على معنى واحد لا يحتمل غيره فهو النص نحو : تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [ البقرة : 196 ] . وإما أن يحتمل غيره ، وهذا له حالتان : الأولى : أن يكون أحد المحتملين أظهر . والثانية : أن يتساويا بأن لا يكون أحدهما أظهر من الآخر ، فإن كان أحد المعنيين أظهر فهو الظاهر ومقابله محتمل ، وإن استويا فهو المجمل كما ذكرنا . وحكم النص أنه لا يعدل عنه إلا بنسخ ، وحكم الظاهر أنه لا يعدل عنه إلا بدليل أقوى منه يدل على صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى المحتمل المرجوح ، وحكم المجمل أن يتوقف فيه حتى يدل دليل مبين للمقصود من المحتملين ، وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى المحتمل المرجوح هو المعروف في اصطلاح أهل الأصول بالتأويل ، وسيأتي إيضاح أنواع التأويل كلها إن شاء اللّه تعالى في آل عمران . واعلم أن اللفظ قد يكون واضح الدلالة من وجه مجملا من وجه آخر كقوله تعالى : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [ الأنعام : 141 ] فإنه واضح في إيتاء الحق ، مجمل في مقداره ؛ لاحتماله النصف أو أقل أو أكثر ، وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله : وقد يجي الإجمال من وجه ومن * وجه يراه ذا بيان من فطن وأما البيان فهو لغة : اسم مصدر بمعنى التبيين ، وهو الإيضاح والإظهار كالسلام بمعنى التسليم ، والكلام بمعنى التكليم ، والطلاق بمعنى التطليق ، وقد يطلق على المبين ، والمبين بالكسر والفتح ، ومن أهل الأصول من يطلق البيان على كل إيضاح سواء أتقدمه خفاء أم لا ، وكثير من الأصوليين لا يطلقون البيان بالاصطلاح الأصولي إلا على إظهار ما كان فيه خفاء وعليه درج في مراقي السعود بقوله معرفا للبيان في الاصطلاح : تصيير مشكل من الجلي * وهو واجب على النبي إذا أريد فهمه وهو بما * من الدليل مطلقا يجلو العمى فكل ما يزيل الإشكال يسمى بيانا في الاصطلاح بمعنى المبين بالكسر ، وسترى إن شاء اللّه في هذا الكتاب المبارك من أنواع البيان وأنواع ما به البيان ما فيه كفاية . واعلم أن التحقيق جواز بيان المتواتر من كتاب أو سنة بأخبار الآحاد ، وكذلك يجوز